ابو القاسم عبد الكريم القشيري
461
لطائف الإشارات
طال البلاء ببني إسرائيل من جهة فرعون ، فتدراكهم الحقّ سبحانه ولو بعد حين ، بذلك أجرى سنّته أنه يرخى عنان الظالم ، ولكن إذا أخذه فإنّ أخذه أليم . قوله جل ذكره : قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ من شرط التكليف التمكين بالبيّنة والآية للرسول حتى يتّضّح ما يدلّ على صدقه فيما يدعو إليه من النبوة . ثم إن تلك الآية وتلك البيّنة ما نفعتهم ، وإنما تأكدت بهما عليهم الحجّة ؛ فإذا عمى بصر القلب فأنّى تنفع بصيرة الحجة ؟ وفي معناه قالوا : وفي نظر الصادي إلى الماء حسرة * إذا كان ممنوعا سبيل الموارد قوله جل ذكره : وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى إنما يتّبع الهدى من كحلّ قلبه بنور العرفان ، فأما من كانت على قلبه غشاوة الجهل . . فمتى يستمع إلى الهدى ؟ قوله جل ذكره : [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 48 إلى 50 ] إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 48 ) قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى ( 49 ) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ( 50 ) ما بعث اللّه نبيا إلّا وقد نذر قومه بالعذاب على ترك الأمر ، وبشّرهم بالثواب على حفظ الأمر . والعذاب معجّل ومؤجّل ؛ فمؤجّله لا يوقف على تفصيله الأعداء ، وكذلك مؤجّل الثواب ، قال تعالى : « فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ » « 1 » . وأما معجّل العقوبة فأنواع ، وعلى حسب مقام المرء تتوجّه عليه المطالبات ، والزيادة في العقوبة تدلّ على زيادة استحقاق الرّتبة ؛ كالحرّ والعبد في الحدّ . وقسوة القلب نوع عقوبة ، وما يتداخل الطاعة نوع عقوبة ، وخسران نصيب في المال والأنفس نوع عقوبة . . إلى غير ذلك . قوله جل ذكره : قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى .
--> ( 1 ) آية 17 سورة السجدة .